فخر الدين الرازي

45

تفسير الرازي

وقد جاء فعيل مفرداً يراد به الكثرة كقوله تعالى : * ( ولا يسأل حميم حميماً * يبصرونهم ) * ( المعارج : 10 ، 11 ) ثم خوف نساءه بقوله تعالى : * ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن ) * قال المفسرون : عسى من الله واجب ، وقرأ أهل الكوفة * ( أن يبدله ) * بالتخفيف ، ثم إنه تعالى كان عالماً أنه لا يطلقهن لكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدله خيراً منهم تخويفاً لهن ، والأكثر في قوله : * ( طلقكن ) * الإظهار ، وعن أبي عمرو إدغام القاف في الكاف ، لأنهما من حروف الفم ، ثم وصف الأزواج اللاتي كان يبدله فقال : * ( مسلمات ) * أي خاضعات لله بالطاعة * ( مؤمنات ) * مصدقات بتوحيد الله تعالى مخلصات * ( قانتات ) * طائعات ، وقيل : قائمات بالليل للصلاة ، وهذا أشبه لأنه ذكر السائحات بعد هذا والسائحات الصائمات ، فلزم أن يكون قيام الليل مع صيام النهار ، وقرئ ( سيحات ) ، وهي أبلغ وقيل للصائم : سائح لأن السائح لا زاد معه ، فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه فشبه بالصائم الذي يمسك إلى أن يجيء وقت إفطاره ، وقيل : سائحات مهاجرات ، ثم قال تعالى : * ( ثيبات وأبكاراً ) * لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة بعضها من الثيب وبعضها من الأبكار ، فالذكر على حسب ما وقع ، وفيه إشارة إلى أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ليس على حسب الشهوة والرغبة ، بل على حسب ابتغاء مرضات الله تعالى وفي الآية مباحث : البحث الأول : قوله * ( بعد ذلك ) * تعظيم للملائكة ومظاهرتهم ، وقرئ * ( تظاهرا ) * و * ( تتظاهرا ) * و * ( تظهرا ) * . البحث الثاني : كيف يكون المبدلات خيراً منهن ، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين ؟ نقول : إذا طلقهن الرسول لعصيانهن له ، وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة ، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله خيراً منهن . البحث الثالث : قوله : * ( مسلمات مؤمنات ) * يوهم التكرار ، والمسلمات والمؤمنات على السواء ؟ نقول : الإسلام هو التصديق باللسان والإيمان هو التصديق بالقلب ، وقد لا يتوافقان فقوله : * ( مسلمات مؤمنات ) * تحقيق للتصديق بالقلب واللسان . البحث الرابع : قال تعالى : * ( ثيبات وأبكاراً ) * بواو العطف ، ولم يقل : فيما عداهما بواو العطف ، نقول : قال في " الكشاف " : إنها صفتان متنافيتان ، لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات . ( فلم يكن بد من الواو ) . البحث الخامس : ذكر الثيبات في مقام المدح وهي من جملة ما يقلل رغبة الرجال إليهن . نقول : يمكن أن يكون البعض من الثيب خيراً بالنسبة إلى البعض من الأبكار عند الرسول لاختصاصهن بالمال والجمال ، أو النسب ، أو المجموع مثلاً ، وإذا كان كذلك فلا يقدح ذكر الثيب في المدح لجواز أن يكون المراد مثل ما ذكرناه من الثيب .